ابن حزم
352
رسائل ابن حزم الأندلسي
استعمالهم لها « 1 » لم تعدّ في البلاغة ولا استحسنت . ونقول : البلاغة ما فهمه العاميّ كفهم الخاصي وكان بلفظ ينتبه له العامي لأنه لا عهد له « 2 » بمثله ، ويتنبه له الخاصي لأنه لا عهد له « 3 » بمثل نظمه ومعناه واستوعب المراد كله ولم يزد فيه ما ليس منه ولا حذف مما يحتاج من ذلك المطلوب شيئا ، وقرب على المخاطب به فهمه ، ولوضوحه وتقريبه ما بعد ، وكثر من المعاني [ 92 و ] وسهل عليه حفظه لقصره وسهولة ألفاظه . وملاك ذلك الاختصار لمن يفهم ، والشرح لمن لا يفهم ، وترك التكرار لمن قبل ولم يغفل وإدمان التكرار لمن لم يقبل أو غفل . وهذا الذي ذكرنا ينقسم قسمين : أحدهما مائل إلى الألفاظ المعهودة عند العامة كبلاغة عمرو بن بحر الجاحظ ، وقسم مائل إلى الألفاظ غير المعهودة عند العامة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون . ثم يحدث بينهما قسم ثالث أخذ من كلا الوجهين كبلاغة صاحب ترجمة كليلة ودمنة ، ابن المقفع كان أو غيره « 4 » . ثم بلاغة الناس تحت هذه الطرائق التي ذكرنا . وأما نظم القرآن فإن منزله تعالى منع من القدرة على مثله وحال بين البلغاء وبين المجيء بما يشبهه « 5 » . وقد كان أحدث ابن دراج « 6 » عندنا نوعا من البلاغة ما بين الخطب والرسائل . وأما المتأخرون فإنا نقول : إنهم مبعدون عن البلاغة ومقربون من الصلف والتزيد ، حاشا الحاتمي وبديع الزمان فهما مائلان نحو طريقة سهل بن هارون . فهذه حقيقة البلاغة ومعناها قد جمعناه والحمد للّه رب العالمين . ولا بد لمن أراد علم البلاغة من أن يضرب في جميع العلوم التي قدمنا قبل هذا
--> ( 1 ) م : فإذا كثرت استعمالها . ( 2 ) : سقط من س . ( 3 ) : سقط من س . ( 4 ) إن عدم الجزم هنا له دلالته ، فكأن ابن حزم لا يقطع بأن ابن المقفع هو مترجم كليلة ودمنة . ( 5 ) هذه هي نظرية الصرفة ، فابن حزم يوافق المعتزلة في هذه المسألة ، وانظر الفصل 3 : 15 وما بعدها . فهو ينكر أنه معجز لكونه في أعلى درجات البلاغة ويقول : فلو كان إعجاز القرآن لأنه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن وسهل بن هارون والجاحظ وشعر امرئ القيس ، ومعاذ اللّه من هذا . ( 6 ) أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي من كبار الأدباء في عصره ، كان يجمع إلى الشعر قدرة على الترسل ، انظر ترجمته في الذخيرة 1 / 1 : 59 وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى كثيرة .